الشيخ محمد رشيد رضا
406
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لقد كان هذا الظلم فوضى فهذبت * حواشيه حتى صار ظلما منظما وقد قلت للأستاذ الامام مرة ما بال باطل هؤلاء الإفرنج في شؤونهم السياسية والدينية ثابتا ناميا لا يدمغه الحق ؟ - أو ما هذا معناه - فقال إنه ثابت بالتبع للنظام الذي هو أقوى الحق ، أي فهو يزول إذا قذف عليه بحق مؤيد بنظام مثله أو خير منه ، فهذا ما ينبغي ان يعمل له المستعبدون لهم في الشرق مع مباراتهم في العلوم والفنون دون الترف والفسق بيد أن هذا كله لا يمنع انتقام اللّه منهم ، وإنما يجري على مقتضى سننه في تأخيره عنهم ، فهو مثل من مثال استئخار العذاب بأسباب تأخير الاجل . وليس من أسباب منعه فإنما منعه بالرجوع إلى الحق والعدل والاعتدال ، والصلاح والاصلاح . وان حكماءهم وعلماءهم يعملون ذلك . وقد نقلنا بعض أقوالهم في المنار ومنها قول بعضهم لنا في مدينة ( جنيف - سويسرة ) ان كثيرا من العقلاء يتوقعون ب هلاك أوربة في حرب عاجلة شر من الحرب الأخيرة التي فقدت بها ألوف الألوف من قتلى المعارك ومثلهم ما بين قتيل مرض أو مخمصة ، ومشوه أضحى عالة على الوطن . وانهم يرجحون أن لا يعدو هلاكها هذا الجيل . ومنها ما قاله أحد ضباط الانكليز في أثناء الحرب من حديث دار بينهم في عمر الإمبراطورية البريطانية . وهو أنه قد دب إليها الفساد الذي ذهب بأمبراطورية الرومان . وانهم يقدرون أنها قد تعيش ثمانين عاما . وقد كنت منذ أيام أتحدث مع بعض أذكياء اليهود في مفاسد الفرنسيس وقلة نسلهم . فقلت له : انني أظن أن أجلهم لا يتجاوز هذا الجيل . فقال إنهم يقدرون لأنفسهم جيلين اثنين . كل هذه التقديرات من الرجم بالغيب . وانما الامر الذي لا يختلف فيه اثنان من أهل العلم ، أو الالمام بعلم الاجتماع وسنن العمران لا في الغرب ولا في الشرق ، هو أن اسراف شعوب أوربة في الفسق ، واصرار حكوماتها على سياسة الافراط في الطمع والمكر ، والتلبيس والتنازع على الاستعمار والعلو في الأرض ، وتأييد الافراد من أصحاب المال ، على الجماهير من العمال - كل ذلك من دود الفساد المفضي إلى الهلاك . وليراجع من شاء ما دار بيني وبين ذلك السياسي السويسي « 1 » في هذا الموضوع من رحلتي الأوربية في المنار ( ج 8 م 23 )
--> ( 1 ) السويسي نسبة إلى سويس وهي سويسرة كما ينطقون بها